ابن قيم الجوزية
593
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
دليل على صدق المحبة . واللّه أعلم . والذاكرون : هم أهل السبق ، كما روى مسلم في « صحيحه » من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسير في طريق مكة . فمر على جبل يقال له جمدان « 1 » فقال : سيروا . هذا جمدان سبق المفرّدون . قالوا : وما المفردون يا رسول اللّه ؟ قال : الذاكرون اللّه كثيرا والذاكرات » . « والمفردون » إما الموحدون . وإما الآحاد الفرادى . وفي « المسند » - مرفوعا - من حديث أبي الدرداء رضي اللّه عنه « ألا أنبئكم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم ، وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من إعطاء الذهب والفضة ، وأن تلقوا عدوكم . فتضربوا أعناقهم ، ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا : وما ذاك يا رسول اللّه ؟ قال : ذكر اللّه عزّ وجلّ » . وروى شعبة عن أبي إسحاق قال : سمعت الأغر قال : أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد رضي اللّه عنهما . أنهما شهدا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا يقعد قوم يذكرون اللّه إلا حفّتهم الملائكة . وغشيتهم الرحمة . ونزلت عليهم السكينة . وذكرهم اللّه فيمن عنده » وهو في « صحيح مسلم » . ويكفي في شرف الذكر : أن اللّه يباهي ملائكته بأهله . كما في « صحيح مسلم » عن معاوية رضي اللّه عنه : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « خرج على حلقة من أصحابه . فقال : ما أجلسكم ؟ قالوا : جلسنا نذكر اللّه ، ونحمده على ما هدانا للإسلام ، ومنّ به علينا ، قال : اللّه ما أجلسكم إلا ذلك ؟ قالوا : آللّه ما أجلسنا إلا ذلك ، قال : أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ، ولكن أتاني جبريل ، فأخبرني : أن اللّه يباهي بكم الملائكة » . وسأل أعرابي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أي الأعمال أفضل ؟ فقال : أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر اللّه » . وقال له رجل : « إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ ، فمرني بأمر أتشبث به . فقال : لا يزال لسانك رطبا من ذكر اللّه » . وفي « المسند » وغيره من حديث جابر ، قال : « خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقال : أيها الناس . ارتعوا في رياض الجنة . قلنا : يا رسول اللّه ؛ وما رياض الجنة ؟ فقال : مجالس الذكر » . وقال : « اغدوا وروحوا واذكروا ، من كان يحب أن يعلم منزلته عند اللّه : فلينظر كيف منزلة اللّه عنده ؟ فإن اللّه ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه » . وروى النبي صلى اللّه عليه وسلم عن أبيه إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم - ليلة الإسراء - أنه قال له : « أقرىء أمتك مني السلام . وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة ، عذبة الماء . وأنها قيعان ، وأن غراسها : سبحان اللّه . والحمد للّه . ولا إله إلا اللّه . واللّه أكبر » رواه الترمذي وأحمد وغيرهما .
--> ( 1 ) بضم الجيم وسكون الميم في آخره نون : جبل على ليلة من المدينة .